|
عام 1932 حدد انطوان سعاده عقيدة الحزب السوري القومي الاجتماعي بخمسة مبادئ
اصلاحية وستة مبادئ اساسية , وكان اول مبدأ اصلاحي هو " فصل الدين عـــن الدولة
" وتلاه المبــــدأ الثاني " بمنع رجال الدين من التدخل في شؤون السياسة
والقضاء القوميين " واختتم الثالث " بازالة الحواجز بين مختلف الطوائف والمذاهب
" .
المهم في هذا الصدد ادراك ان ابرز هذه المبادئ الثلاثة هو منع رجال الدين من
التدخل في شؤون السياسة والقضاء القوميين ". ومن المفيد ما قرأناه في مقدمة
دستور الحزب الذي وضعه سعاده نفسه حيث جاء النص حرفيا على " ان يكون واضع اسس
النهضة السورية القومية الاجتماعية ( انطون سعاده ) زعيم الحزب مدى حياته .
وتبعا لذلك ادى قسما بان يستعمل سلطة الزعامة من اجل القضية ...." وكان اول "
رائد مسيحي " يزيل تلك الحواجز ويتزعم وحدة مسلمين ....محمديين ومسيحيين
وموحدين .
بهذه الشفافية المتناهية العالية الثقة بضمير الشعب ووجدانه منح نفسه , زعامة
الحزب وهو المنتمي طائفيا الى المذهب الاورثوذكسي في الطائفة المسيحية وتعد من
المذاهب القليلة العدد قياسا بالمؤمنين بالمذهب الشيعي والمذهب السني بنسبة
تقارب الثمانين بالمئة في الوطن كله الذي تمسك سعاده بحدوده الطبيعية , وطنا
ممتدا وشاملا الكويت والعراق بما فيها الاهواز ولبنان والاردن وفلسطين والشام
بما فيها كيليكيا والاسكندرون .
لم يتوقف سعاده في حسابه عند تأسيسه الحزب عند من يقبل أومن يرفض زعامة قائد
مسيحي لمجموع امة دعا الى وحدتها . لانه هو نفسه كان متحررا منها في اعماقه وفي
ثقافته وفي مشاعره . تاركا لاي عضو في حزبه حرية الايمان وحرية الاعتقاد باي
طريق يختاره خارج الحزب لراحة نفسه في علاقته مع خالقه .
ونجح سعاده في دعوته عندما اسس نهضة قومية اجتماعية فعرف العالم العربي والعالم
الغربي كله نموذجا فذا بتوحيد امة منقسمة الى ما لا يقل عن سبعة عشر طائفة
ومذهبا , فكان الحزب السوري القومي الاجتماعي نموذجا مثاليا للقضاء على الحواجز
بين الطوائف والمذاهب , بانخراط عشرات الوف المحمديين السنة والشيعة والموحدين
في صفوفه تحت زعامة " انطون " سعاده الى جانب الطوائف الاخرى مؤيدين زعامته
القومية الاجتماعية وقيادته القومية الاجتماعية بعيدا عن أي تأثير طائفي . الى
درجة ان هذا النموذج فرض ذاتيته وكنهه على الحكام في الكيانات السورية فاضطروا
الى تنفيذ احكام الاعدام الجائرة عام 1949 باعضاء الحزب المحكومين بالاعدام
باختيارهم على اساس انتمائهم الطائفي . فتم اعدام الاورثوذكسي والشيعي والسني
والعلوي والماروني والشامي والفلسطيني واللبناني , من اعضاء الحزب المؤتلفة
قلوب افراده وهم من جميع الطوائف والمذاهب الامر الذي اعطى الحزب فرادة لم تحصل
لغيره من الاحزاب .
وان دل هذا الانموذج على شيء فانما يدل على اصالة امتنا وعلى امكان اعادة
توحيدها على اساس قومي بعيدا عن التباين والتمايز بين طوائفها ومذاهبها السبعة
عشر .
فعندما نتمكن من تحقيق مبدأ فصل الدين عن السياسة , ومنع رجال الدين من التدخل
في شؤون السياسة والقضاء القوميين . نكون قد سلكنا الطريق الصحيح لازالة
الحواجز بين الطوائف والمذاهب.
من هنا فان ما قام به سليمان فرنجية من موقف صريح ازاء تدخل الصرح البطريركي في
السياسة . ولو كان بدافع خاص من فرنجية سببه تعرض منبر بكركي للوزير السابق ,
فانما هو تطبيق عملي لمبدأ منع رجال الدين من التدخل في شؤون السياسة وخاصة
عندما قال بأن تدخل البطريرك بالسياسة سيواجه بالسياسة مع الاحترام الكلي
والاعتراف الكامل لغبطة البطريرك بزعامته الدينية .
وسليمان فرنجية لم يكن الوحيد في هذا الموقف من تدخل البطريرك في السياسة فقبله
كان الجنرال عون عندما كان قائدا للجيش عام 1989 وبعدما عاد من مغتربه عام 2005
. وسبقهما شارل ايوب في اكثر من افتتاحية وجهها الى غبطة البطريرك في اكثر من
مناسبة بدوافع غير خاصة وفي مناسبات عامة كان آخرها منذ حوالي شهر .
وهنا لا بد من التوضيح ان ما وصلت اليه الاكثرية البرلمانية السياسية النيابية
من تأثير وعر قلة لاي حل وطني , ما كانت لتقدر عليه ولا لتتمكن منه لولا الدعم
المعنوي والتدخل المباشر لغبطة البطريرك في الشأن السياسي عبر رئاسة المطران
يوسف بشاره لاجتماعات قرنة شهوان في الاديرة , وعبر مواقف متعددة اخرى للبطرك
منها يوم وقفت بجانبه السيدة صولانج الجميل تطلق "الحرمان" على كل مسيحي يشارك
في تظاهرة 8 آذار التي شارك فيها المسيحيون بكثافة مع التيار الوطني الحر
وميشيل المر وايلي سكاف وايلي الفرزلي وغيرهم من الزعماء المسيحيين .
ان " قرنة شهوان " تحولت الى عمود فقري للوجود المسيحي الضعيف في التكتل
البرلماني المغتصب للاكثرية , التي انضم اليها امين الجميل ولحقه سمير جعجع بعد
مسرحية اخراجه من السجن بعفو خاص البسوه زي العفو العام في اسوأ اخراج فاشل
لمهزلة " برلمانية " غير مسبوقة في أي دولة بالعالم .
لذلك فان ما يشهده لبنان اليوم من تجذر في ازمته الدستورية ما كان ليصل الى هذا
الحد والى هذا المستوى لولا الغطاء " المقدس " من غبطة البطريرك .
علينا ان ندرك تماما ان مواقف البطريرك الماروني شجعت سماحة مفتي الجمهورية
اللبنانية رشيد القباني فراح هو الاخر يصدر فتاويه بالدعوة الى تأييد حكومة
السنيورة ويدعو له في المساجد بذات العبارات التي دعا فيها جورج بوش الى دعم
حكومة قرضاي السراي في بيروت .
ان ردة فعل كلام سليمان فرنجية ستساهم في الحد من اندفاع بكركي بالدعم العلني
للاكثرية. وكانت بدايتها موقف المطارنة المعتدل الذي عبر عنه المطران مظلوم في
مؤتمر صحفي وتجاوب معه الوزير فرنجية .
لقد آن الاوان لان يتجرأ المتحررون ويواجهوا علنا ظاهرة تدخل رجال الدين في
السياسة كما فعل شارل ايوب وسليمان فرنجية والعماد عون .
|