|
55 عاما مضت على " اغتيال " العقيد في الجيش السوري عدنان المالكي . أي ان من
ولد في 22/4/1955صارعمره اليوم ثلاثة وخمسون عاما . وصار جدا لجيل لا يعرف أي
شييء عن ذلك اليوم الاسود , مع ان آثاره لا تزال فاعلة في المنطقة الى الآن .
فلا الجد يعرف ولا الاب يعرف ولا الحفيد يعرف لماذا اعتقل في وقت واحد اكثر من
عشرين الف مواطن سوري مساء ذلك اليوم بدءا من دمشق حيث مسرح الجريمة وانتهاء
بالحدود العراقية والتركية في القامشلي وجرابلس ومنبج واللاذقية والحسكة ودير
الزور والبوكمال وتدمر ....الخ على بعد مئات الكيلو مترات عن مسرح الجريمة بحيث
لم يعد في " الجمهورية السورية " قرية او ناحية او قضاء او مركز محافظة او قطعة
في الجيش او في أي وزارة او مدرسة او جامعة او حارة الا وواحد من ابنائها معتقل
بتهمة الانتماء الى " جمعية سرية " وهم أعضاء في حزب مجاز رسميا وله نواب في
البرلمان ومكاتب علنية في كل المحافظات .
قبل ان نصل الى مسرح الجريمة . نمر عابرا باختصار على وضع البلاد السياسي من
خلال الوميض الخاطف على دور العقيد الشهيد .
فالوضع السياسي في البلد كان يدار بالتحالف القائم بين فريق من الحزب الوطني (
وريث الكتلة الوطنية ) مع نواب حزب البعث العربي الاشتراكي وريث حزبي البعث
العربي ( عفلق – بيطار ) والعربي الاشتراكي ( اكرم الحوراني ) بعدما توحدا تحت
اسم واحد في سياق معارضتهما الشرسة لحكم العقيد اديب الشيشكلي , فترأس صبري
العسلي رئاسة الوزارة وخالد العظم وزارة الدفاع وصلاح البيطار وزارة الخارجية
واكرم الحوراني رئاسة مجلس النواب , بعدما خرج حزب البعث العربي الاشتراكي
ظافرا بكتلة نيابية معتبرة أثبتت مدى انتشاره .
ومع غياب الكتلة العسكرية الشيشكلية وغياب الكتلة العسكرية للحزب السوري القومي
الاجتماعي من الجيش باعتقال معظم أفرادها وتواري الباقين أصبح الصراع حادا بين
العسكريين المنتمين للأحزاب الفاعلة على تلك الساحة في ذلك العام المشؤوم , من
اجل السيطرة على الحكم .
لم يكن العقيد عدنان المالكي حزبيا . وكان مصنفا , نظريا , في خانة ضباط حزب
البعث العربي الاشتراكي لكون شقيقة المحامي رياض المالكي قيادي بارز في ذلك
الحزب ولكون العقيد المالكي نفسه لا لون حزبي سياسي آخر له .
والحقيقة انه لم يكن هناك خلاف بين العقيد المالكي وبين الضباط البعثيين
والشيوعيين . وهما اكبر كتلتين في الجيش , عقب انتهاء فترة الشيشكلي وسيطرة
خصومه على الوضع في الجيش وفي مجلس النواب قبل ان يدخل نظام ما بعد الشيشكلي
الحكم ويبدأ " تصادم المصالح " ومن ثم نشوء
|
|
|
الخلافات بين الحلفاء .
في حمأة ذلك الصراع الخفي بين الكتل العسكرية , تكون فريق ثالث بدا يلتفت نحو
نظام جمال عبد الناصر يمد الخيوط معه, وقد ضم بعض الحياديين وبعض الحزبيين
العسكر يين المعاصرين . الا ان عدنان المالكي بقي مستقلا عن الجميع , لا تعطي
ابتسامته الدائمة أي دليل او اشارة لاحد عما يخبئ في جوفه ووراء صمته , حتى يأس
المصريون من استمالته .
كان ضابطا مؤمنا بأمته العربية وبالقومية العربية مثله مثل الوف من ضباط الجيش
الحزبيين وغير الحزبيين . ولم يكن يعرف عنه أي انتماء سياسي او حزبي ولم تكن له
اية كتله عسكرية بقي بعيدا يعمل بهدوء على تكوين كتلة خاصة به داخل الجيش تبعده
عن الاحزاب وتحفظ له توجهه العروبي الوحدوي . وفي الوقت نفسه لم يعرف عنه او
يذاع او يشاع عن علاقات او صلات له مع أي دولة عربية او غربية او شرقية وهذا في
رأيي ما كان احد اسباب اغتياله. حيث لم يكن بالامكان ارتهانه .
شكل احتواؤه لكتلة ضباط الشيشكلي ضربة ذكية فاستطاع المالكي وضعهم في مراكز
متقدمة في الجيش وتحلقوا حوله . الا ان ما كان ينقصه وينقصهم هو ما يتمتع به
البعثيون والشيوعيون وقبلهم القوميون من تواجد في ضباط الصف أي ( ما دون ملازم
اول وهذا ما سيفسر لنا بعد قليل سبب تفكيره بالتعاون مع الحزب القومي ).
هذه لمحة بل وميض سريع على عناوين تلك الفترة محصورة في نطاق وضع المالكي داخل
الجيش . خاصة بعدما ثبت بمعظم المذكرات التي نشرت بانه كان على خلاف واضح مع
البعث واكرم الحوراني قبل الاغتيال . فقد جاء بكتاب الدكتور سامي خوري " أمل
لا يغيب " حول رغبة العقيد الفقيد بالتعاون مع الحزب السوري القومي
الاجتماعي ما يلي :
" لم اكن اعرف شيئا عن طلب عدنان المالكي التعاون مع الضباط القوميين
الاجتماعيين في ذك الحين ولكنني علمت به بعد مقتل عدنان المالكي حين خرج ميشيل
خوري من السجن واتصل بشقيقتي عبلة ثائرا على مقتل عدنان المالكي واخبرها بهذا
اللقاء قائلا بمرارة " ماذا فعل هؤلاء المجانين ولماذا اغتالوا الرجل الذي مد
يده للتعاون مع الحزب وقمت انا شخصيا بنقل رغبته هذه الى جورج عبد المسيح قبل
ايام من اغتيال المالكي ".( صفحة 282 )
هذه الحادثة المحصنة بكل ما تحتاجه المصداقية من عناصر تضاف اليها حادثة اخرى
لا يشك بمصداقيتها احد بالنسبة لمن رواها وهو الملازم اول معين عرنوق المشهود
له بالصدق والامانة والموضوعية تؤكد وجود الخلاف بين المالكي والبعث الاشتراكي
. فقد افاد عرنوق بانه "حاول ترتيب اجتماع بين عدنان المالكي وغسان جديد ولم
يرفض المالكي هذه الفكرة وقال: ان الاجتماع يمكن ان يتم يوم السبت بعد عودته من
زيارته للجبهة . ولكن هذا الاجتماع لم يتحقق اطلاقا اذ ان عدنان المالكي قتل
يوم الجمعة ".( ص 283 )
وبعد يوم الجمعة إزيل كل اثر للحزب وصلت اليه يد السلطة مطلقة جميع وسائلها
الاعلامية ضده تنهش بسمعته وتدس عليه وعلى تاريخه طوال سنوات . وادخلت في
البرامج المدرسية صفحات مسيئة للحزب وفكره . ومع ذلك استطاع الحزب خرقها بعد
سنوات .
ويستخلص سامي الخوري من ان اتصال ميشيل خوري بجورج عبد المسيح عجل في تنفيذ
الاغتيال . وهو استخلاص في محله خاصة اذا عرفنا ان مصدري الخبر هما ميشيل خوري
وعبلة خوري . وكلاهما مشهود له بالسمعة العالية والموضوعية والرصانة . وبذلك
تكون الحادثتان اهم واخطر ما في موضوع اغتيال الحزب وعدنان المالكي برصاصة
واحدة , قضت على وجو دهما معا على ساحة العمل السياسي في الشام بشكل جذري .
كانت اصابة الحزب بالغة جدا وخطيرة جدا ادت الى ادخاله في " الكوما " سنوات
بكاملها الى ان استطاع التعافي والعودة بقوة , ولو ببطء , الى ساحة الجهاد وفق
اسلوبه المميز في تقنيات العمل السري مجتازا السراديب والانفاق والوديان
والهضاب والجبال يربط الاعضاء ببعضهم ويرمم ما اصاب بنيته التحتية وبنية عائلات
أعضائه بالقدر الممكن .
دفع الحزب ثمنا ماديا ومعنويا من الصعب تقدير حجمه وعمقه وبعد تاثيره كما دفعت
الشام بشكل خاص والوطن السوري بشكل عام اثمانا باهظة ادت الى تغييرات كبيرة في
جيوبوليتيك المنطقة وخاصة في انظمة الحكم بالشام والعراق والاردن ولبنان , حيث
ما كان لها ان تصل الى تلك النتائج لولا قيام نظام بوليس حازم في دمشق سيطر على
البرلمان والحكومة عبر رجل المرحلة الحديدي الجزار عبد الحميد السراج المرتبط
بنفق سري مباشر مع الاجهزة البوليسية المصرية . فصارت لمصر قوة اعلامية سياسية
ضاربة في العالم العربي مرتكزها دمشق .
لانه حيث تكون دمشق تكون العروبة ويكون التأثير في كل المحيط . والدليل ما
تعيشة المنطقة ذاتها اليوم انه لا يمكن لاي قوة خارجية ان تفرض على الساحة ما
ترفضه دمشق متى كان النظام فيها متسلحا بتأييد الشعب ودعمه . ولذلك انهار
النظام البوليسي السراجي المصري باسرع من البرق عندما فقد التاييد الشعبي
المفتعل الناشيء عن استغلال دم الشهيد المالكي . ( كما يستغل دم الشهيد رفيق
الحريري اليوم ). وهو التاييد الذي ساعد على تحقيق الوحدة المصرية السورية فيما
بعد بالاضافة الى الوهج الزعامي العربي الذي اكتسبه جمال عبد الناصر بتأميم
قناة السويس وتداعياته .
نعود الى موضوعنا الاساس وهو اتهام الحزب بالاغتيال لتبرير ملاحقته وحله وسجن
اعضائه دونما أي مستند قانوني , واذا كان في لبنان من برر اعتقال 4 ضباط بحجة
الجريمة , ففي الشام اعتقل اكثر من 20 الف حزبي ومواطن بحجة الجريمة . واذا كان
ايضا يمكن " هضم " اعتقال اربعة ضباط بحجة جريمة يقيمون على ارضها ويعملون فيها
ذاتها , فكيف يمكن " هضم " اعتقال تلك الآلاف البعيدة مئات الكيلومترات عن مسرح
الجريمة بمذكرات توقيف جاهزة ومعدة سلفا جرى تنفيذها فور اعلان استشهاد المالكي
مع ان مجرد كتابتها يستغرق اسابيع .
وهنا اتذكر ذلك الموقف التاريخي الرائع للرئيس الراحل فخامة الرئيس هاشم
الاتاسي حين قابله السراج مع اوركسترا الضباط المحيطين به طالبين منه اعلان
الاحكام العرفية ( جرت الاشارة لهذه الحادثة في اكثر من مذكرات كان آخرها
مذكرات سامي خوري امل لا يغيب ).
الرئيس هاشم الاتاسي يسأل السراج ومن معه عن الهدف والسبب لطلب الاحكام العرفية
. ويجيبه السراج " مقتل عدنان المالكي " فيسأله الرئيس الاتاسي بتعجب وتهكم "
ومن الذي اغتال المالكي ؟" ويأتيه الجواب الحزب السوري القومي الاجتماعي .
فيزداد تهكما ويسأل مجددا " ما فهمت كيف تم الاغتيال هل الحزب كله نفذ الاغتيال
."؟ ولسخرية القدر يتابع السراج كلام المجانين فيقول : لا يا فخامة الرئيس "
القيادة تبع الحزب " مستثيرا بذلك شهية الاتاسي لتهكم اوسع فيسأله بازدراء "
وكم هو عدد هذه القيادة عشرة خمسة عشر عشرين ".؟ وهنا يقع السراج بالفخ ويجيب "
لا يا فخامة الرئيس حوالي اربعماية " معتقدا ان تكبير عدد اعضاء قيادة الحزب من
عشرات الى مئات سيكون مبررا لاعلان الاحكام العرفية قبل ان يفاجئه الرئيس
الاتاسي برد رئاسي حاسم وهو يلوح بعصاه في الهواء " في هذا البلد يوجد قانون
وانا لا اقبل اعلان الاحكام العرفبة بسبب عجزكم عن مواجهة اربعماية شخص فاذا
كنتم غير قادرين على مواجهة اربعماية شخص تفضلوا تخلوا عن مناصبكم وانا اعين من
يستطيع ضبط الامن بمواجهة اربعماية شخص من دون احكام عرفية " . وما ان انتهى
الاتاسي من كلامه حتى كان السراج ومن معه قد اصبحوا خارح القاعة الكبرى .
لم تعلن الاحكام العرفبة . ولم تعدم جولييت المير ارملة سعاده ولا عصام
المحايري , لتستمر محاكمتهما مع كل المعتقلين . واستطاع المحايري وجولييت المير
من خلالها اقناع المحكمة والرأي العام ببراءة الحزب من الجريمة فحكمت المحكمة
على جورج عبد المسيح بصفته الشخصية لا بصفة رئيس حزب . وهذا اكبر انتصار حققه
الحزب في جريمة المالكي . باعلان براءته من الجريمة بنص قرار الحكم . ولذلك
اخترعوا للمحايري وجولييت المير سعاده تهمة اخرى حتى لا يفرج عنهما من السجن
بعد براءتهم من جريمة المالكي وليبقيا رهينة .
سيحتفظ التاريخ لعصام المحايري بناء على دفاعه وموقفه في المحاكمة بانقى وارقى
صورة انقذت ارواح كثيرين من الحزبيين من الاعدام . مكرسا نضالا مع الامينة
الاولى في ذلك السجن الطويل على مدى احد عشر عاما ونصف قد لا تدرك معانيه وسموه
النفوس السوداء الصغيرة , ولا الرؤوس الحمقاء من الذين لا تاريخ لهم لعلهم
يخجلون وينحنون باحترام امام العظماء وامام تاريخهم ومآثرهم .
لم يكن عصام المحايري وحده ولم تكن جولييت المير وحدها الصورة الوحيدة الحية
لذلك النضال الرائع والتضحية الفذة . ففي تلك الفترة قدم الحزب آلاف الامثلة
النابضة على الصبر والنضال وتحمل العذاب الشديد والفقر القاتل في السجون
وخارجها باعضائه من الرفقاء والرفيقات الابطال الى جنب شهداء فقدهم الحزب بسبب
ذلك الخطأ البشع . ففقدنا يونس عبد الرحيم وبديع مخلوف وعبد المنعم دبوسي
بالاضافة لما فقده عدد كبير من رفقائنا , لاعضاء من اجسادهم في اطرافهم ووجوههم
واحشائهم وصاروا معوقين جسديا . لعل اعاقتهم الجسدية تعوض وتشفي كل المعوقين
عقليا ونفسيا الجاحدين لتاريخ حزبهم المتسولين الحلول خارج الحزب وخارج النظام
على مقاهي الرصيف وفي دهاليز عتمة " النهار " لتعطيل الاستحقاق الدستوري , فيما
القافلة تتابع سيرها .
22 نيسان 1955 , منعطف كبير في تاريخ الحزب والمنطقة . لم يكشف من اسراره بعد
سوى النذر القليل . ولكنه اكد في الوقت ذاته ان عقيدة الحزب السوري القومي
الاجتماعي تمثل الحقيقة وتعبر عن الحقيقة , والحقيقة دائما ازلية لا يمكن ان
تزول . كما ستبقى الشهادة خالدة بان هذا الحزب لا يمكن ان يزول . وكل الذين
حاولوا ازالته زالوا وبقي الحزب مستمرا .
(( قد تسقط اجسادنا اما نفوسنا فقد فرضت حقيقتها على هذا الوجود ولا يمكن ان
تزول ))
(سعاده خطاب اللاذقية ) .
|