هدير الزوبعة السورية القومية الاجتماعية                     www.ssnpg.jeeran.com
 

الثقافة الأستشراقية الأمريكية الأعنف والألغى والأكثر تدميرا ً للشرق

 
المهندس : كبرئيل قبلو

04 كانون الثاني, 2008

بدأت أحلام الأستراتيجين الأمريكان وواضعي الأطر النظرية في الإدارة الأمريكية منذ زمن طويل ترى الشرق بمخزونه الحضاري والاقتصادي الهائل وأسرعت مبكرا ً الى محاولة لعب دور في التهام جزء من مقدراته ومشاركة الغرب الأوربي بذلك هذا ما تقوله وثيقة في أرشيف الخارجية الأمريكية تعود الى أوائل العقد الأول من القرن العشرين يوم أرسل ممثل المصالح الأمريكية في المغرب العربي الى السلطان العثماني عارضا ً عليه مساعدة مالية مقابل أعطاء دور لأمريكا في منطقة عرفت بعد اتفاقية سايكس بيكو بالعراق اليوم ولكن الغرب الأوروبي كان بأوجه فأخرج أمريكا بصفعة من المنطقة ولكن العقل الاستراتيجي الأمريكي عاد ليحقق الحلم بعد قرن من الزمن فما تم خلال هذا الردح لم يكن خطط مؤقتة بل نوع مختلف عن العقل الاستشراقي الاوربي رغم أنه يحمل ملامحه العامة إلا َ انه يختلف عنه بالهدف والآلية وطريقة التنفيذ وبالتالي النتائج .

 لماذا الأستشراق الأن سؤال يطرح ذاته

قبل التطرق الى هذه المؤسسة العريقة في زمنه وفعلها . العريقة والعنيفة في سلبيتها على مستوى الشرق بشكل عام وعلى عالمنا العربي بشكل خاص سنقوم بإعتماد قاعدة تقول ( علينا أخراج رؤوسنا من التاريخ . لا أخراج التاريخ من رؤوسنا ) هذه العبارة الاعتراضية تفرض علينا حراك عقلي فكري ممنهج للتعامل مع التاريخ ومنتجه سندخل في متن موضوع لا زال يحمل في طياته أختلافات حادة في الرؤية والتحليل وكل ما سيطرح هو احتمالي قابل للجدل الواسع ليس له أي بعد أطلاقي سلبا ً كان أم إيجابا ً.

الاستشراق الأن سؤال يطرح ذاته علينا من جديد مع مقولات النظام العالمي الجديد والشرق الاوسط الجديد, هذا النظام الذي أرسى اسسه المنتصرون في حرب الخليج الثانية وغزو العراق, هذا النظام الذي تبنته الولايات المتحدة الامريكية كنظام سياسي ومؤسسة فكرية , صاغت من خلالها القواعد النظرية للسيطرة على العالم من خلال السيطرة على الحافة الاخيرة لاوروبا وهي الشرق ومن بعدها ستبقى المهيمن الاوحد على العالم حتى الربع الاول من القرن الحادي والعشرين حسب قرأءات كيسنجر, ان النظام العالمي الجديد ببعده الاستراتيجي ما هو الا الوليد و الحديث والمهجن للفكر الاستشراقي الغربي السابق ( الاوروبي ) وذلك بعد ان زاد في انيابه انياب جديدة لم تطال الشرق وحده بل كل العالم بحضاراته المتنوعة.
يلاحظ بأن واضعي الاطر النظرية ومقرري النظام العالمي الجديد وصائغي قواعده الفكرية من الامريكيين هم خريجي المدارس الاستشراقية من سياسيين عانى الشرق من سياساتهم كهاري كيسنجر صاحب نظرية الخطوة خطوة الى زبيغنيو بريجينسكي منتج مصطلح ( الحلمة المسلية ) للتعامل مع ما يسمى بدول العالم الثالث وليس أخيرا ريتشارد بيرل ( أمير الظلام ) أحد اهم منتجي عملية ( الانطلاق النظيف ) التي سلمت لنتانياهو عام 1996 وتضمنت كل ماتم حتى اليوم في شرقنا والبقية تتبع. أما مفكري أمربكا الاستراتيجيين من صموئيل هينغينتون الى فرانسيس فوكوياما وصولا الى فريدمان فليس خاف ٍ على أحد ماصاغوا حتى اليوم.
أن التذكير بالاستشراق وألقاء الضوء من جديد عليه يعيد الى الاذهان كيف عومل الشرق من قبل الغرب الاروبي وكيف تعاملنا نحن مع الاستشراق ونتائجه وهل أستطاعت الثقافة والمعرفة والفكر السياسي المشرقي درء خطر نتائجه عليها بعد هذا الردح من الزمن وكيف سنواجه النظام العالمي الجديد وبأي مفردات ومصطلحات ووسائل, وماهي الآليات المتاحة والمحتملة التي سيتعامل بها مجتمعنا مع الاخطار القادمة من غزو ٍ ثقافي وفكري وأقتصادي وألغاء ٍ قهري وتطبيع وأنفتاح .في هذه العجالة لن نتطرق الى الدراسة التحليلية للفكر الاستشراقي ولا الى اليات التعامل التضادي معه لان ذلك يتطلب صياغة منظومة جديدة لذلك لكننا سوف نكتفي بأطلاق أضاءة على جذوره والاشارة الى عمق خطرها, أن التعامل مع الفكر الاستشراقي هو تعامل دقيق وحذر, حيث يتوجب على المتعامل الغوص في عمق مؤسسة ذات تاريخ طويل يتجاوز القرنين من الزمن حسب مقولات البعض وأنا اعيدها الى نهايات القرن الحادي عشر الميلادي مرتبطة بأول حملة صليبية على الشرق, هذه مؤسسة لها أرث من من الامكانات المتجذرة والمتخفية ودعم هائل من قبل مؤسسات وأنظمة لها باع طويل في الابتلاع الفكري والثقافي والاقتصادي بمختلف صوره القديمت (الاستعمار المباشر) والمعاصرة (الغير مباشر) والحديثة (المعرفي الاقتصادي) .
ان الطيف التعريفي للاستشراق هو طيف واسع , فمن التعريف الاكلديمي الى التعريف الايديولوجي الى الخ والتعريف البنطي له ( هو كل مؤسسة تهتم بدراسة الشرق ) . وقد تم توصيف الاستشراق من قبل المفكر السوري الفلسطيني الاصل ادوارد سعيد أذ نقرأه يقول : ( الاستشراق أعني به عددا ً من الاشياء أو هذه الاشياء كلها وفي رأيي فأن التسمية لا تزال مستخدمة في عدد من المؤسسات الجامعية , فكل من يقوم بتدريس الشرق أو الكتابة عنه , أو بحثه , سواء أكان المرء مختصا ً بعلم الانسان / الانثربيولوجي / أو علم الاجتماع , أو التاريخ هو مستشرق ولكن مع ذلك فالاستشراق هو اسلوب في الفكر قائم على تمييز وجودي ومعرفي بين الشرق والغرب , وهو المؤسسة المشتركة للتعامل مع الشرق وأصدار تقريرات حوله , ووصفه , وتدريسه والاستقرار فيه وحكمه , وبأيجاز فأن الاستشراق هو أسلوب غربي للسيطرة على الشرق واستبنائه وأمتلاك السيادة عليه ) هذه المؤسسة بدأت بصنع القاعدة الفكرية والمعرفية للاستعمار الغربي / الاوروبي منذ نهايات القرن الحادي عشر الميلادي حيث رافقت الغزاة الصليبيين مجموعة من الرحالة والباحثين والسياسيين الى الشرق لدراسته والتوصل الى الطرق المثلى للسيطرة عليه فيما بعد , وتتابع الاستعمار متتاليا ً حتى غيرت الحرب العالمية الثانية ونتائجها مراكز تأثير الفعل الاستشراقي ونقلتها بقفزة الى العالم الجديد / أمريكا / . أن المتتبع للساسة ونتائجها خلال النصف الأخير من القرن العشرين يقرأ بوضوح لغة إستشراقية عنيفة وحديثة , فها هو هنري كيسنجر الوزير السابق للخارجية الامريكية يقول جملته الشهيرة بعد أن أستخدم العالم العربي النفط سلاحا ًخلال حرب تشرين عام 1973 وعانى الغرب خلالها ماعانى أذ يقول : ( من المرعب والعيب أن يتحكم مجموعة من راكبي الجمال بطاقة ومقدرة العالم , على راكبي الجمال العودة الى جمالهم ) هكذا نظر العقل الاستشراقي للشرق ولا زال , أنه بنظره صنعة وان الشعوب الموجودة فيه هي شعوب غير فاعلة وجامدة وبحاجة الى المعرفة والسلطة والفكر الغربي والتكنولوجيا لكي تتحرك باتجاه خدمة الغرب المتفوق والسيد , ولم يختلف عن رؤية ذلك الا قلة من المفكريين الغربيين الاكاديميين وهاهو دزرائيلي وزير خارجية بريطانيا في النصف الاخير من القرن التاسع عشر يقول ( ان الشرق صنعة ) ,ان هذه المؤسسة بفكرها الهدام وغير الانساني هي التي بحثت ونقبت وصاغت وكتبت لنا تاريخ الشرق وقبلنا نحن فيه حتى اللحظة وصدقناه وتمثلناه وغفونا في أوهامه , كيف صاغوا لنا هذا التاريخ ؟؟؟

كيف صاغ الاستشراق تاريخ الشرق ؟

مابين عام 1839 وعام 1897 .م أتم الغرب توطيد سيطرته على العالم وكأن العالم قبل أن يكون تصريف أموره بيد الغرب وبدا التاريخ وكأن المطاف أنتهى به الى حالة من الأستقرار اساسها سيطرة الغرب / معترضة سبق الغرب الاوربي فرنسيس فوكوياما بحلم نهاية التاريخ / وكأن مخطط التاريخ تكون من أحداثسابقة معينة انتهت بسيطرة الغرب الحالية , أماغيرها من الاحداث السالفة فلم تعد من صلب التاريخ ,ومن ثم من الممكن تجاهلها هذا الطرح يؤكده أحد اشهر مؤرخي العصر ( ارنولد توينبي ) في كتابه ( تاريخ البشرية ) حيث يوضح كيف قرأ الغرب لنا تاريخنا وتاريخ الشرق بالمجمل في نهاية القرن التاسع عشر وكيف توجه الاستشراق الى كتابة هذا التاريخ واعتبره تاريخا ً ملغى وتم اسدال ستار من الظلام عليه , ويلاحظ المتابع لمجمل الدراسات التاريخية للمنطقة ( الشرق ) بأنها مؤلفات للمستشرقين الذين نقبوا في المنطقة واستكشفوها ومن ثم صاغوا كتاباتهم بصورة اساسية ضمن أتجاه ( غرب -< شرق ) أي غرب عارف مستقر ذو تاريخ جلي مسيطر فاعل وشرق بكر سلبي غير فاعل جاهز للتلقي , هذه النظرة الاحادية الاتجاه في التعامل هي التي ميزت نهايات القرن التاسع عشر للميلاد وكانت الركيزة الاساس لنشوء الاستعمار بشكله القديم وشكلت القاعدة التي من خلالها عامل الغرب الشرق كأرض بكر اصحابها لا تاريخ ولا حضارة لهم مؤتمنون على مقدراتهم ريثما يصل الغرب اليهم ليربطهم بعجلة التطور للتاريخ البشري .
وفي عام 1973 م كانت سيطرة الغرب لم يسبق لها مثيل في الانتشار العالمي الواسع الى أنه كان يبدو أيضا ً وكأنهذه السيطرة هي عابرة وربما تكون هامشية ايضا ً , حيث فوجىء العالم والغرب بشكل خاص بصحوة العالم العربي لمقدراته الاقتصادية ولتاريخه وحقه في التحكم بما يملك من ثروات مادية ومعنوية . فكان قراره بأستخدام النفط سلاحا ً ولكي يفهم الغرب بعدها بأن سيطرته على العالم ومصادرته التاريخ لم ولن تكون كاملة ونهائية .

الاستشراق الامريكي ناب جديد أعنف وأدهى
عرف على مر التاريخ الامريكي بأن الجذر الفكري والثقافي للمدنية الامريكية أعتمد بالاساس على مرتكزات الفكر الانكليزي ولكنه أضاف بعدا ً اخر هو الغاء بشري لكل الشعوب والامم خارج العرق الانكلو سكسوني ولم تكتفي الاجندة الامريكية بتححيد هذه الشعوب عن بناء الحضارة البشرية كالفكر الاستشراقي الاوروبي بل وصلت في صياغتها الى درجة وجوب الالغاء الجسدي لهذه الشعوب ووجوب أقصائها ديموغرافيا ً عن خريطة العالم وهذا ماتوضح من تمثل النظريات الحديثة لمفكرين امريكان أبتدأ ً من بريجينسكي مررورا بهينغنتون والخ ... هؤلالء اما كانوا صانعي منفذي هذه الطرحات أو تمكنوا من مواقع سمحت لهم بتنفيذها .
كل الحروب في المنطقة من غزو مباشر افغانستان العراق او غير مباشر لبنان دول الخليج السعودية السودان والخ ... كان الترجمة العملية للفكر الاستشراقي الامريكي الجديد . وبقينا نحن كعادتنا أخر من نقرأه هو عدونا وهذه نقطة مقتلنا الاساسية وسبب هزائمنا العسكرية والفكرية والانسانية من سقوط الاندلس الى سقوط بغداد فهل أتعظنا .

التشكيل المجتمعي الرائد

لقد حاول المستشرقون طرح كمية هائلة وهامة جدا من التاريخ جانبا ً في سبيل جعل الحضارة الغربية هي صانعة التاريخ البشري وبالتالي هي المسيطرة للسير بالبشرية والسيطرة عليها في ازمانها القادمة , فقد تم أخراج تاريخ الشرق الاوسط والاقصى والادنى من معادلة أنتاج التاريخ , ولم يرضخ المستشرقين إلا الى واقع المكتشفات الاثرية الحديثة خلال العقود الستة الاخيرة حيث لم يعد ممكناً التزوير والتجاهل للاثر الهائل الذي تركته حضارة سوريا الطبيعية ومصر الفرعونية في بناء التاريخ البشري بل كانت الاولى في صياغته منذمراحل التشكيل الاولى .
اول لغة عرفها الانسان تبتكر حروفها في سوريا , في سومر كانت المغامرة الأولى للعقل البشري فكانت الاسطورة بوتقة الديانات , وعلى ضفاف دجلة والفرات لمس الانسان واحس بجبروت الطبيعة وفعلها واثر عناصرها ودورها في عملية الخلق فكتب ( الأينوما أيليش ) اسطورة الخلق الاولى ومن فيضانات النهرين العظيمين المقدسين أبدع الطوفان البابلي سابقا ً الطوفان التوراتي ب 1500 عام , وفي الشرق العربي أخذت الديانات السماوية فضاءاته مكانا ً لهبوطها , مما سبق وهو جزء يسير من أمور اكثر وأكثر يتبين لنا بأن المجال الحيوي ( الأيكومين ) في سوريا الطبيعية كان المكان الملائم واأول لوضع اللبنات الاولى للحضارة البشرية ,
أما ماحاول الغربيون فعله عن طريق أمتصاص تاريخ المنطقة مرورا ً بالحضارة الأغريقية ( الهيلينية ) فلم يعد بخاف ٍ على أحد !!
عمل الاستشراق على التقليل من دور المنطقة ومساهمتها في بناء الحضارة الإنسانية وحاول اقناع العالم بأن الشرق غير العاقل والغني بحاجة إلى فكر وعقل كي يقوم بإدارة شؤونه. وقد نظر الغرب دائماً إلى الشرق بأنه إختراعٌ غريب وكان منذ القدم الغابر مكاناً للرومانسية، والكائنات الغريبة المدهشة والذكريات والمشاهد الشابحة وتجارب استثنائية، وبمعنى ما فإن الشرق كان حدثاً وقد انقضى أجله الآن. ونقرأ كرومر الذي يمثل شرعاً شخصياً للحكمة الاستشراقية حيث يقول: "قال لي السير ألفريد لايل مرةً: إن الدقة كريهة بالنسبة للعقل الشرقي، وعلى كل إنسان أنجلو_هندي أن يتذكر هذا المبدأ الأساس، والافتقار إلى الدقة الذي يحلل بسهولة ليصبح انعداما للحقيقة، وهو في الواقع الخصيصة الرئيسية للعقل الشرقي، أما الأوربي فهو ذو محاكمة عقلية دقيقة وتقريره للحقائق خالٍ من أي التباس وهو منطلي مطبوع ويعمل ذكاؤه الدرب مثل آلة ميكانيكية، أما عقل الشرقي فع على النقيض مثل شوارع مدنه الجميلة صورياً، يفتقر بشكلٍ بارز إلى التناظر وحاكمته العقلية طبيعية مهلهلة إلى أقصى درجة، وبرغم أن الغرب القدماء قد اكتسبوا بدرجة أعلى نسبياً علم الجدلية فإن أحفادهم يعانون بشكلٍ لا مثيل له من ضعف ملكة المنطق. وغالباً ما يعجزون عن استخراج أغلب الاستنتاجات وضوحاً من أبسط المقدمات التي يعترفون بصحتها، وهم يفتقرون للسلاسة ويناقضون أنفسهم مرات عدة في الحدث الواحد" هكذا ينظر الغرب الإستشراقي لنا نحن العرب بأننا سُذْج وغافلون ومحرومون من الحيوية والقدرة على المبادرة ولنا عقلٌ فوضوي يعجز عن إدراك ما يدركه الأوروبيون البارعون بصورة فورية. ونحن في النهاية نقيض الأنجلو_ساكسون في وضوحهم ومباشرتهم ونبلهم. بعد كل هذا ألم يحن الوقت للفكر والعقل العربي أن يعمل على إعادة تشكيل ذاته من جديد. لماذا لا نتمثل التنقيبات والتقنيات والتفكير البحثي العلمي لنتولى نحن كتابة تاريخنا كما كان من دون تشويه؟ألم يحن الوقت بعد كي نعرف بأن ما نعاني منه من تاخير وتقسيم وصراع من دون انتقائية وأن فصلنا له عن كل أنواع الاستعمار الذي فتتنا وجزأنا منذ سايكس-بيكو هو تعامي عن الواقع! واليوم تنزاح علينا غيوم النظام العالمي الجديد، ويلفح وجهنا لهيب العولمة. ونحن أين نقف أين العقل العربي العارف لماضيه كي يتعامل مع حاضره بموضوعية ويصيغ ركائز المستقبل.

قراءة التاريخ

السؤال الذي يطرح ذاته هو كيف نقرأ التاريخ وكيف نتعامل معه؟ عومل التاريخ لدينا كفعلٍ مقدس (تابو) غير قابل للمس محظور التعامل معه إلا ضمن شروط النصية المغلقة ويحمل في داخله حقه المطلق، أحكامه نهائية على الفاعلين في حركته الماضية. شخوصه ثابتة ومحكومة مسبقاً بقراءةٍ نصية مغلقة. إذا أنه غابةٌ من التماثيل تشطل في مجملها وترتيبها رواية (حدث) ذات معنى واحد ويفهم في لغةٍ واحدة في أي شرطٍ كان. علينا أن نعكس الإتجاه؛ علينا أن نتعامل مع التاريخ كأي وسطٍ حيوي تتغير فيه مواقع الفاعلين حسب الرؤية. علينا أن نحس ونلمس منه كل مقاصده. يجب أن نسمي كل فعلٍ في التاريخ كما هو لنقل كان صديداً هنا وكان إضاءةً هناك. لتكن عيوننا مباضع تنكش كل الأماكن وتعري كل الشخوص والرموز ونتعامل معهم كما هم يحملون الصواب والمميت ولنسمي كل فعلً باسمه. لننزل إلى التاريخ ونعرفه كما كان لا أن نرفعه فوق رؤوسنا وعقولنا فيلغي فينا الأن والغد، ونصبح بعدها صورةً مكررة لزمن واحد تنبهت كل ما مرّ عليها زمن آخر. هناك ماضٍ حاضر في سياق حياتنا الثقافية، لكن أي ماضٍ؟ أليس من الضروري والحالة هذه أن نعود إلى تراثنا لنعيد بناءه بناءاً حقيقياً يلتزم بالحقيقة كوجود مستقلً في حيزه التاريخي، وكوجودٍ متصل بحاضرنا الراهن؟ فالحقيقة التاريخية كما هي شرطٌ أساسي من شروط مشروعيتها، إنها تتخذ هذه المشروعية من مصداقية حدوثها من الأسباب والعلل والوقائع والنتائج التي تحددت بالزمن الماضي، فليست منفعة الحقيقة التاريخية الآنية تعطي أي مشروعية ومصداقية للتاريخ، إنها ببساطة عملية ابتزاز للتاريخ، وتغطية للحاضر ببرقع الماضي فيصير الاثنان مشتركين في عملية التمويه التاريخية. ربما من المطلوب أن نقف من التاريخ دائماً موقف التعارض، وقد يكون هذا الموقف هو الموقف الصحيح، لأن موقف الموائمة موقف يبسط الأمور لدرجة من السطحية والابتذال. التعارض مع الماضي يعني أن ننطلق دائماً من الشك بالمسلمات التي أترعت به كتب التاريخ. يجب أن نقرأ الحدث قراءة نقدية فمن دونها لا يستقيم حقٌّ في حقيقة تاريخية، يتجه المحافظون إلى قراءة التاريخ على أنه اكتمال وما أتى بعده شطط والمستغربون يعتدون في كثير من الأحيان بجاهزية مناهجهم على التاريخ ودلالة وقائعه. والأيديولوجية تقوم بكثير من الأحيان بعملية بتر للوقائع والأحداث لا تتوافق مع الصيغ الواقعية الآنية التي تعتمدها بمراحلها الراهنة أما المستشرقون عرفنا كيف كتبوا تاريخنا وقراؤه بمنظار مشوه للوقائع.
وفي الخاتمة نقول وبوضوح لقد أخفق الاستشراق إنسانيا وفكرياً. ونقول للعرب لا أحد يكتب تاريخ الآخر. وإذا عصيّ علينا أن نكتب تاريخنا كما يجب، وأن نقرأه كما يجب، وأن نتمثله كما يجب، فخير لنا أن نبدأ زمننا الآتي من دون تاريخ لم نكن نحن أصحابه وهل نحن بالقادرين؟
 

كاتب وباحث سوري

www.ssnpg.jeeran.com

إن جميع المقالات التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع