|
حين يغادرنا واحد من رجال النهضة المميزين , نشعر مع غيابه برجع الصدى يحمل
الينا نبضات آثاره في كل المناطق التي حفر على احجارها وزرع في اوديتها وسطر
على تلا لها تاريخ حزبه .
اكثر من نصف قرن مضت على معرفتي بالامين هاجم فلوح الراحل العزيز , قضيناها في
العمل الحزبي جنبا الى جنب في المناطق الحزبية كافة وفي مركز الحزب .
هو من ساهم بكفاءة وفعالية بنشر ووصول العقيدة الى سهول حوران وتلالها , فاينعت
وانبتت رفقاء مناضلين اقاموا صرحا شامخا للحزب يتألق بمناقبهم وعطائهم
وتضحياتهم وممارساتهم ونضالهم فعرفتهم سجون لبنان بعد ثورة تموز 49 . وخشبات
الاعدام في بئر حسن فوق التراب ذاته الذي روته دماء زعيمهم قبلهم باسابيع .
ولم يعتب عليهم أي سجن آخر في الوطن فاستضافتهم قلعة دمشق وزنزاناتها واقبية
وسراديب سجن المزة في منتصف الخمسينات بدمشق , ليأتي دورهم بسجن الرمل في مطلع
الستينات عقب الانقلاب .
مع كل فوج من افواج الاسرى والمعتقلين , وما اكثرها , كان للامين هاجم حيز
وحضور , يشيع الاطمئنان والراحة ويعزز التصميم في رفقائه فتتحول عتمات السجون
الى نور , وغياهب الزنزانات الى فسحة امل .
خارج السجن تشار كه عائلة صامدة صابرة , متاعب النضال فتتقاسم معه التضحية ولذة
العطاء .
وما ان ينبلج الفجر بعد الصبر , وما ان يعود رب العائلة الى عائلته عقب كل "
حفلة " اعتقال , حتى يجد المناضل الراحل نفسه الى جانب زوجته يلتف حولهما سوار
من سبعة شباب وصبية نعموا بتربية قومية اجتماعية صالحة وشاركوه مع امهم كل آلام
التشريد وحلاوة النضال .
يحق لنا , نحن رفقاءه , عائلته الكبيرة ان نفخر بارثه الكبير, وبشباب انجبهم ,
يتمتعون بسمعة عطرة واداء مميز في ممارساتهم لمهنتهم واختصاصاتهم . كما يحق
لعائلته الصغيرة ان تفخر ايضا بما يتمتع به الوالد الرمز الكبير من رموزنا
الحزبية المعطاءة , وقد تجلت مكانته بالحشد الكبير في وداعه الاخير في " بصير".
يضم ابناء محافظة حوران وكل قرية ودسكرة فيها , مع حشد من رفقائه في الشام
وغيرها من المحافظات .
ترافقت مع رفيقي الراحل الامين هاجم فلوح في العمل الحزبي طوال اكثر من نصف قرن
مليئة بالعطاء والتضحية والعمل الجاد المسؤول لم تسلم من حدوث اختلافات في
الرأي . اختلافات لم تفسد حتى في حدتها , بعض الاحايين , من الود والاحترام
العميق , لاشتراكنا في نزاهة القصد والصراحة في المواجهة والالتزام الحزبي
المنضبط .
ساشعر دائما بالفراغ والحسرة لغيابه , على الرغم من كل العزاء بما تركه من ارث
حزبي ومن شباب يفخر بهم الوطن , ومن زوجة يعتز الحزب بامثالها .
|