هدير الزوبعة السورية القومية الاجتماعية                     www.ssnpg.jeeran.com
 

عندما يختلط اللون بالهم الفكري...
فاتح المدرس فنان أعلن الثورة على التقاليد الفنية

 
جريدة الوطن
 

لا ينحصر معنى الفن بأنه مرآة للحياة فقط بل هو وسيلة فعلية للارتواء الجمالي والفكري الذي لا يتطلب الاستعانة بمرجع خارجي لفهمه أو تفسيره، ولاسيما إذا كان هذا الفن يحترم المتلقي ولا يعتبره ساذجاً بل ذكياً يستطيع الوصول إلى مدلولات اللوحة وشرحها عندها لن ينتج عن هذا الفنان إلا فن محترم قادر على محاورة المشاهد أو المتذوق الفني بلغة بسيطة تستحوذ رؤيته الجمالية البصرية وربما هذا ما جعل لاسم فاتح المدرس شأناً كبيراً وخاصة أن لوحاته ما زالت إلى اليوم تعرض في أهم الصالات الفنية المحلية والعربية والعالمية ومازالت تحتل المرتبة الأولى في أوج الحركة التشكيلية السورية، ففاتح المدرس يعد من أوائل الفنانين السوريين الذين ثاروا على التعاليم والخبرات السابقة واستطاعوا أن يطبعوا لأنفسهم بصمة خاصة تميزه عن غيره نتيجة لتجربة فنية عاصرت مراحل جمالية وفكرية مختلفة.

خطواته الفنية الأولى:

ليس من الغريب أن يكون فاتح المدرس من أصحاب الفكر والفن ولاسيما إذا علمنا أن والده كان أحد الثوار الذين استشهدوا في الثورة السورية الكبرى حيث كانت نشأته بين المدينة والريف الجبلي في الشمال السوري، فقد استطاع من خلال طبيعة تلك المنطقة وفصولها الأربعة أن يتعلم منها الكثير.. كضوء ولون الفرح والحزن والتشبث بالأرض ومعنى الحياة، ورغم صعوبة المعيشة في تلك الجبال التي تأثرت بتبعات الحرب العالمية الأولى وانعكاساتها على المجتمع إلا أنه ترجم كل ذلك بلغة الطفل الصادقة وهي الرسم على الجدران وعلى الطين بالأسلوب الذي يعبر عن نفسه وعن خلجات ذاته ومن هنا كان اهتمامه الشديد بالرسم ومن ثم بلور «المدرس» تلك التجربة من خلال قراءة الأساطير الشعبية والخرافات التي أغنت مخيلته الفكرية بصور وقراءات ابتدعها من وحي خياله لذا اتجه إلى الرسم بالكلمة وبدأ بكتابة القصة القصيرة وترجم العديد منها إلى اللغات العالمية وقد نتج عن ذلك حبّه للموسيقا وللشعر، لذا قد يعتبر فاتح المدرس أن حياته التي مرت هي عبارة عن فرصة عظيمة لتعلمه على أيدي أساتذة كبار مثل «غالب سالم» وهو أستاذ متخرج من أكاديمية روما الذي جعله يعشق الفن أكثر، فقد أشار إليه مرة من المرات أنه لو عرف أن يرسم ورقة شجرة بتفاصيلها الصغيرة لعرف كم تعبت بها الطبيعة أو الإله حتى جعلها بهذا اللون وبهذا الشكل الجميل ومن ثم تعلّم على يد المهندس «وهبي الحريري» الأناقة في العمل الفني كما قالت سمر حمارنة في كتابها «كيف يرى فاتح المدرس» وأضافت: إنه رغم معارضة أهله لتعلمه الرسم إلا أنه أصر على الاستمرار خاصة بعد ما مزقت عمته صورة لوالده قد رسمها وهو لا يعرفه بسبب استشهاده وهو في عمر السنتين ومن ثم مزقت له لوحة أخرى رسم فيها إحدى العاريات التي نقلها من قاموس اللاروس ومع ذلك كانت والدته تراقبه من تحت اللحاف وهو يرسم على ضوء الشمعة لكي لا يوقظ أخاه الصغير..

بلوغه الاحترافية في العمل الفني:
إن معظم مواضيع فاتح المدرس مستمدة من البيئة المحلية ومن الحياة الاجتماعية والقومية، كما أن معظم عناصره الفنية يأخذها من التراث الشعبي القروي كما أن ألوانه الحارة يرجع بها إلى ألوان الأرض وحرارتها كلوحته الشهيرة التي ظهرت في الخمسينيات وهي لوحة «كفر جنة» التي بيّنت للمتلقي أسلوباً حديثاً وثورة على التقاليد الفنية لأنه رسمها بانطباعية قوية جريئة فهي تمثل منظرا عاماً لطريق ريفي يؤدي إلى «كفرجنة» وهي إحدى قرى حلب، مع فلاحة تمشي على الطريق وقد وضعت طبقاً من القش على رأسها، وقد حملت تلك اللوحة جمالية خاصة لأنها مزجت بين الواقعية والحداثة معاً التي ظهرت من خلال الشجرة التي رسمها على قارعة ذلك الطريق بضربات سريعة توضح مدى موهبة اليد التي ترسم والاحترافية التي يمكن أن يصل إليها،

وبعد ذلك انتقل فاتح المدرس إلى أسلوب آخر ابتكره وأبدع فيه حيث اهتم بالتحوير الهندسي أكثر ولاسيما للمساحات الجسدية التي أضاف إليها رموزاً من الفلكلور الشعبي لكن أسلوبه الجديد لم يظهر تلك الهندسة في أعماله بل انتقل إلى تحوير آخر اعتمد فيه على تشويه الشخوص والأشكال لكن بأداء متميز، فعلى الرغم من الصراع بين الشكل الرئيسي والمحيط حوله إلا أنه كان يلجأ إلى نقله بأسلوب طفولي بسيط يعتمد فيه على الاختزال والاختصار وموازنتهما لحجم الأفكار والعواطف الانفعالية بشكل جمالي متكامل ولائق بالعمل الفني فهو استطاع أن يمزج بين محلية أفكاره وبين الماضي والحاضر والمستقبل من خلال العودة إلى رموز التراث الشعبي والتطرق إلى الحداثة المعاصرة من حيث الشكل وتبني أفكار الحياة للتعبير عن همومه التي باتت جزءاً منها ومع ذلك كان يرسم في بعض اللوحات ببساطة شديدة وبلغة لونية جديدة وكأن الطفل النائم في نفسه قد استيقظ ليطلق العنان لنفسه على مساحة بيضاء مثل لوحة «طفلة» التي رسم فيها وجه طفلة بحساسية نادرة يميل فيها إلى الحزن مع استخدام اللون الأزرق المعتم الذي يشير إلى صفاء الروح والنفس وبالطبع لم ينس أيضاً سنابل القمح الذهبية وفي لوحة أخرى عاد «المدرس» إلى السير الشعبية كلوحة «عنتر الأرض وعنتر السموات» وكذلك استلهم من الأيقونة موضوعاً للوحاته.

وفاتح المدرس لم يلتزم بالمدارس المعروفة بل أ راد أن يبتكر لنفسه بصمة تعبيرية خاصة، وخاصة أنه لم يجد في بلادنا مدرسة فنية حقيقية بمعنى المدرسة أي أسلوب معين في الرسم لكنه رأى في فنوننا التراثية بذور الفنون الحديثة والتي وجد فيها مبتغاه الفكري والفني وخاصة أنه كان يحلم بمدرسة فنية تميز فنوننا الشرقية عن الفنون الغربية.

تكريمه المتأخر:
رغم أن الثرى غيبه عن تجربته الفنية، إلا أنه مازال مؤثرا في فنون بلاده ومازالت لوحاته مطلب متذوقي الفن التشكيلي السوري لكن للأسف جاء تكريم الفنان فاتح المدرس والشعور بأهميته متأخراً كما قال في إحدى مقابلاته حيث أشار إلى أن الراقصة التي تهز خصرها تأخذ أكثر من المكافأة المالية الني منحوها إليه في هذا التكريم وكذلك لاعب كرة قدم مشهور يغمرونه بالهدايا والعطايا. ومع ذلك لم يقدم فاتح لبلاده إلا الشكر والعطاء والمزيد من الإنتاج الفني واعتبر أن هذا التكريم البسيط لم يأت متأخرا لأن سورية لها أولياتها وتحمل على كتفيها مسؤوليات كبيرة.

لكن مرسمه الذي تحول إلى صالة فنية مازال إلى اليوم يخلد ذكراه بجدرانه وأوراقه المتبعثرة وكتبه وملاحظاته التي تمثل لنا فاتح بشكله ورؤيته وأفكاره الفنية ومازالت ذكراه تتجدد في كل مرة تقيم فيها الصالة معرضاً فنياً فرغم لوحات الفنان في المعرض إلا أن المتلقي لا بد له من أن يتوجه إلى ملاحظاته وكتاباته لقراءة المزيد منها.

ولد فاتح المدرس في مدينة حلب- سورية عام 1922م. ودرس الفن في أكاديمية الفنون الجميلة في روما 1960 وفي المدرسة الوطنية العليا للفنون الجميلة في باريس 1972م وشغل منصب نقيب الفنانين التشكيليين السوريين وعمل أستاذاً في كلية الفنون الجميلة بدمشق لغاية 1993م حيث تخرج على يديه جيل كامل من الفنانين التشكيليين. كما أقام العديد من المعارض الشخصية داخل سورية وفي العديد من دول العالم. ونال العديد من الميداليات والجوائز التقديرية. وله أيضاً مؤلفات قصصية وشعرية. وأعماله مقتناة من قبل وزارة الثقافة السورية- المتحف الوطني بدمشق- متحف دمر- القصر الجمهوري- وضمن مجموعات خاصة. توفي في دمشق عام 1999م.
 

نقلا عن جريدة الوطن (الشامية) 10/01/2008

www.ssnpg.jeeran.com

إن جميع المقالات التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع