| هدير الزوبعة السورية القومية الاجتماعية | www.ssnpg.jeeran.com |
|
عندما يختلط اللون بالهم الفكري... |
|
| جريدة الوطن | |
|
لا ينحصر معنى الفن بأنه
مرآة للحياة فقط بل هو وسيلة فعلية للارتواء الجمالي والفكري الذي لا يتطلب
الاستعانة بمرجع خارجي لفهمه أو تفسيره، ولاسيما إذا كان هذا الفن يحترم
المتلقي ولا يعتبره ساذجاً بل ذكياً يستطيع الوصول إلى مدلولات اللوحة وشرحها
عندها لن ينتج عن هذا الفنان إلا فن محترم قادر على محاورة المشاهد أو المتذوق
الفني بلغة بسيطة تستحوذ رؤيته الجمالية البصرية وربما هذا ما جعل لاسم فاتح
المدرس شأناً كبيراً وخاصة أن لوحاته ما زالت إلى اليوم تعرض في أهم الصالات
الفنية المحلية والعربية والعالمية ومازالت تحتل المرتبة الأولى في أوج الحركة
التشكيلية السورية، ففاتح المدرس يعد من أوائل الفنانين السوريين الذين ثاروا
على التعاليم والخبرات السابقة واستطاعوا أن يطبعوا لأنفسهم بصمة خاصة تميزه عن
غيره نتيجة لتجربة فنية عاصرت مراحل جمالية وفكرية مختلفة. وبعد ذلك انتقل فاتح المدرس إلى أسلوب آخر ابتكره وأبدع فيه حيث اهتم بالتحوير الهندسي أكثر ولاسيما للمساحات الجسدية التي أضاف إليها رموزاً من الفلكلور الشعبي لكن أسلوبه الجديد لم يظهر تلك الهندسة في أعماله بل انتقل إلى تحوير آخر اعتمد فيه على تشويه الشخوص والأشكال لكن بأداء متميز، فعلى الرغم من الصراع بين الشكل الرئيسي والمحيط حوله إلا أنه كان يلجأ إلى نقله بأسلوب طفولي بسيط يعتمد فيه على الاختزال والاختصار وموازنتهما لحجم الأفكار والعواطف الانفعالية بشكل جمالي متكامل ولائق بالعمل الفني فهو استطاع أن يمزج بين محلية أفكاره وبين الماضي والحاضر والمستقبل من خلال العودة إلى رموز التراث الشعبي والتطرق إلى الحداثة المعاصرة من حيث الشكل وتبني أفكار الحياة للتعبير عن همومه التي باتت جزءاً منها ومع ذلك كان يرسم في بعض اللوحات ببساطة شديدة وبلغة لونية جديدة وكأن الطفل النائم في نفسه قد استيقظ ليطلق العنان لنفسه على مساحة بيضاء مثل لوحة «طفلة» التي رسم فيها وجه طفلة بحساسية نادرة يميل فيها إلى الحزن مع استخدام اللون الأزرق المعتم الذي يشير إلى صفاء الروح والنفس وبالطبع لم ينس أيضاً سنابل القمح الذهبية وفي لوحة أخرى عاد «المدرس» إلى السير الشعبية كلوحة «عنتر الأرض وعنتر السموات» وكذلك استلهم من الأيقونة موضوعاً للوحاته. وفاتح المدرس لم يلتزم بالمدارس المعروفة بل أ راد أن يبتكر لنفسه بصمة تعبيرية خاصة، وخاصة أنه لم يجد في بلادنا مدرسة فنية حقيقية بمعنى المدرسة أي أسلوب معين في الرسم لكنه رأى في فنوننا التراثية بذور الفنون الحديثة والتي وجد فيها مبتغاه الفكري والفني وخاصة أنه كان يحلم بمدرسة فنية تميز فنوننا الشرقية عن الفنون الغربية.
تكريمه المتأخر: لكن مرسمه الذي تحول إلى صالة فنية مازال إلى اليوم يخلد ذكراه بجدرانه وأوراقه المتبعثرة وكتبه وملاحظاته التي تمثل لنا فاتح بشكله ورؤيته وأفكاره الفنية ومازالت ذكراه تتجدد في كل مرة تقيم فيها الصالة معرضاً فنياً فرغم لوحات الفنان في المعرض إلا أن المتلقي لا بد له من أن يتوجه إلى ملاحظاته وكتاباته لقراءة المزيد منها. ولد فاتح المدرس في
مدينة حلب- سورية عام 1922م. ودرس الفن في أكاديمية الفنون الجميلة في روما
1960 وفي المدرسة الوطنية العليا للفنون الجميلة في باريس 1972م وشغل منصب نقيب
الفنانين التشكيليين السوريين وعمل أستاذاً في كلية الفنون الجميلة بدمشق لغاية
1993م حيث تخرج على يديه جيل كامل من الفنانين التشكيليين. كما أقام العديد من
المعارض الشخصية داخل سورية وفي العديد من دول العالم. ونال العديد من
الميداليات والجوائز التقديرية. وله أيضاً مؤلفات قصصية وشعرية. وأعماله مقتناة
من قبل وزارة الثقافة السورية- المتحف الوطني بدمشق- متحف دمر- القصر الجمهوري-
وضمن مجموعات خاصة. توفي في دمشق عام 1999م. |
|
|
نقلا عن جريدة الوطن (الشامية) 10/01/2008 |
|
|
إن جميع المقالات التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع |
|