| هدير الزوبعة السورية القومية الاجتماعية | www.ssnpg.jeeran.com |
|
سامي الخوري في مذكراته الكاشفة: الحكمــة دائمــاً تأتــي متـأخــرة |
|
| صقر أبو فخر | |
|
هناك سؤال ما برح يتردد في كل مرة ينشب الكلام فيها على السيرة الذاتية وعلاقتها بالتاريخ هو: هل السيرة الذاتية مصدر أساسي من مصادر التاريخ؟. فالتاريخ يركز، في العادة، على الأحداث والوقائع، وتكون الشخصيات مرصودة للدوران في نطاق هذا التاريخ وميدانه. لكن السيرة تركز، بالدرجة الأولى، على الشخص الراوي نفسه، بينما تدور الأحداث، وحتى الأشخاص الآخرون، في فلك الشخصية الأساسية. والسيرة الذاتية، في نهاية المطاف، كتابة استعادية، أي أن صاحبها يكتبها في زمن هو غير الزمن الواقعي، وهي تختلف عن اليوميات التي يكتبها في أوانها تماما. وفي هذا الشأن ثمة تنافر موضوعي بين الزمن النفسي والزمن الواقعي، لأن الوعي عند وقوع الحوادث هو غيره عند كتابتها، أي ان الكاتب، عندما يكتب مذكراته، فهو يكتبها بوعي مختلف أو بحكمة متأخرة... وهذه مشكلة منهجية في أي حال. يقول ابن الجوزي: «ان التواريخ وذكر السير راحة للقلب وجلاء للهم وتنبيه للعقل». وهذا القول يشير، في أحد وجوهه، الى أن التاريخ لا فائدة منه. وفائدته الوحيدة هي المتعة الذهنية (أي تنبيه العقل)، او المتعة النفسية (أي جلاء الهم وراحة القلب). غير أن سامي الخوري عاند ابن الجوزي في هذه المذكرات([) وقدم لنا سيرة ذاتية حارة وممتعة ومثيرة للأسئلة في آن. وهذه السيرة ليست مجرد سرد للأحداث والوقائع، أو مجرد رصيد للمفارق السياسية العاصفة، وإنما هي مذكرات شخص عاش في خضم هذه الأحداث، وروى سيرته وسيرة عائلته ومجتمعه، وما أحاط به من تقلبات وأحوال، بطريقة تضافر فيها البحث والتذكر والتقصي معا، وبلغة عاطفية أحيانا كادت تستنفر الدمع من العينين، ولا سيما حينما تحدث عن اللحظات المكتومة التي كان يودع فيها بلاده من شباك الطائرة وهو في رحلته الى الولايات المتحدة الأميركية، الأمر الذي أعاد الى الذاكرة المشهد الذي صوّره هشام شرابي بدقة حينما كان، من شباك الطائرة، يودع يافا الوداع الأخير. المهرب
الكبير الأفخاخ
القاتلة ان هذه المذكرات، كما يلوح
لي، ليست مجرد استعادة للتاريخ القريب، بل اعادة تقويم لتلك المرحلة المضطربة
من تاريخي سوريا ولبنان، ولتاريخ الحزب السوري القومي الاجتماعي ودوره في
الأحداث المتلاطمة التي عصفت بالمنطقة آنذاك. ولعل هناك الكثير من الغرابة وبعض
المصادفات الموضوعية التي أنشبت أظافرها في هذا الحزب، فأدت الى ما هو مسطور في
الكتب. فخلال اثنتي عشرة سنة فقط، أي منذ سنة 1949 حتى سنة ,1961 أوقع هذا
الحزب نفسه في أفخاخ كثيرة، وعلِق في مصائد متعددة: ففي سنة ,1949 وكانت جميع
المعطيات تشير الى خطة للقضاء على الحزب، تُعلن الثورة ولا يلقى أنطون سعادة
التجاوب حتى من القوميين أنفسهم! وفي تلك السنة نفسها وقبيل ذلك يتحالف
القوميون مع حسني الزعيم، وهو مجرد ضابط تافه وصل الى السلطة بانقلاب ذي أهداف
مكشوفة. وفي سنة 1950 أيد الحزب الانفصال الجمركي بين لبنان وسوريا. وفي سنة
1952 سار الحزب في ركاب أديب الشيشكلي، وحتى حينما مال الشيشكلي الى الاستبداد
لم يتصد الحزب له في الوقت التي كانت جميع الأحزاب السورية تؤلف جبهة وطنية
متحدة ضده. وفي سنة 1955 تورطت قيادة الحزب باغتيال عدنان المالكي. وفي سنة
1956 اجتهدت قيادة الحزب في تنفيذ مؤامرة مع انكلترا والعراق ضد الحكم في
سوريا. وفي الأثر اغتيل غسان الجديد الذي كان يتعاون مع ميخائيل إليان المعروف
بصلته القوية بالمخابرات المركزية الأميركية. وفي سنة 1958 تحالف الحزب مع كميل
شمعون في لبنان ضد جمال عبد الناصر. وفي آخر يوم من سنة 1961 كان الحزب ينفذ
خطة فاشلة لـ «استلام الحكم» في لبنان. انها ثماني مصائب حل بعضها على الحزب،
وسيق الحزب الى بعضها الآخر جراء التقدير الخاطئ للموقف السياسي آنذاك. وهذه
المصائب تكفلت بإعاقة المشروع السياسي والعلماني للحزب، وكانت كفيلة بأن تهد أي
حزب آخر في ما لو تعرض لهذه المحن مجتمعة خلال اثنتي عشرة سنة. ما رآه سامي الخوري في تلك
الحقبة هو، على الأرجح، ربع الحقيقة، وجانب واحد من الجوانب المتعددة للصورة.
فهو نفسه يقول في مكان آخر من هذه المذكرات: في أوائل سنة 1942 بدأ التيار
الاسلامي يبرز بقوة على المسرح السياسي، وحاول ان يملأ الفراغ الذي تركه غياب
عبد الرحمن الشهبندر والكتلة الوطنية. وفي أيار 1942 قام هذا التيار بمظاهرات
في دمشق هاجم المتظاهرون خلالها دور السينما مطالبين بفصل النساء عن الرجال في
حافلات الترام، وفرض الحجاب على النساء، ومنع النساء من دخول دور السينما،
وإغلاق الملاهي، وتكوين الشرطة الأخلاقية، وملاحقة التصرفات المخلة بالأخلاق،
وتشكيل هيئة من علماء الدين تتولى تعديل منهاج الدراسة (ص83). المؤامرات
والدكتاتورية وفوق ذلك، فان الدهشة تحوم
في العيون المتسائلة عندما نقرأ ان أنطون سعادة أعلن ما سمي «الثورة الاجتماعية
الأولى» في سنة 1949 بينما كان الجميع يعلم «ان الكتائب اللبنانية المارونية
الاتجاه وأتباع رئيس الوزراء رياض الصلح ومنظمة النجادة السنية الاتجاه...
جميعها قررت الخلاص من سعادة والحزب بالاتفاق مع الحكومة» (ص127). ولهذا الغرض
عقد اجتماع في شتورا في 24/6/1949 حضره كل من حسني الزعيم ومحسن البرازي (عديل
رياض الصلح) والشيخ بشارة الخوري رئيس الجمهورية اللبنانية ورياض الصلح رئيس
وزراء لبنان، واتفقوا على ان يقوم حسني الزعيم بتسليم سعادة الى السلطات
اللبنانية بعدما كان أمنه واستقبله في دمشق، وأهدى اليه مسدسه (ص143). والأغرب
من ذلك تلك الخطة العسكرية التي وضعها سعادة وغسان كرم لهذه الثورة والتي تضمنت
احتلال مرجعيون بقيادة نواف حردان، واحتلال قلعة راشيا بقيادة زيد الأطرش، ثم
احتلال ثكنة مرجعيون ومخفر مشغرة، والتقدم نحو الشوف، في الوقت الذي ينتفض فيه
القوميون بقيادة حسن الطويل وجورج عبد المسيح، وتثور عشيرة الدنادشة في بعلبك
بقيادة عبد الله محسن (ص152). فماذا حدث؟ تقول المذكرات: «لم يتحرك القوميون
الاجتماعيون في الشوف وعاليه بالأعداد التي كان سعادة يظن انها سوف تلتحق
بالثورة. وكل ما حدث هو تمركز جورج عبد المسيح في منطقة سرحمول في ميدان آخر
يجزم سامي الخوري بأن «جورج عبد المسيح واسكندر شاوي كانا خلف الخلية العسكرية
المشكلة من بديع مخلوف وعبد المنعم دبوسي ويونس عبد الرحيم»، لكنه يتساءل بحسرة
ونفاذ بصيرة: «هل كان جورج مع تسعة أشخاص من القوميين» (ص154)، وبالطبع لم تثر
عشيرة الدنادشة. وحتى بعد الاخفاق لم يستمع سعادة الى نصيحة فارس الخوري
بالذهاب الى الأردن، وذهب الى موته. وج عبد المسيح وحده هو الذي خطط ونفذ
اغتيال المالكي؟» (ص295). ان كتاب سامي الخوري، على
أهميته، لا يعالج دور حسن الطويل الذي توفي مؤخرا في هذه الكارثة، ولا يشير الى
أي دور أميركي في هذه المؤامرة، ويجعلها قاصرة على شوكت شقير والجهات المصرية
وجورج عبد المسيح من دون علم القيادة الحزبية بذلك (ص 310). لعلني لا أبالغ في القول ان هذا العقل النقدي والحصافة السياسية اللذين ظهرا في مذكرات سامي الخوري لو كانا شائعين في التفكير السياسي لدى رفاقه في مرحلة الخمسينيات من القرن العشرين، لما كان الحزب السوري القومي انزلق الى مغامرات كارثية تركت آثارها لا في الحزب ومستقبله وحده، بل في المنطقة بأسرها، ومنها مغامرة الانقلاب العسكري في لبنان في نهاية عام .1961 وطالما تساءلت، في نوع من التمرين الذهني، انه لو قُدِّر للحزب ان يقبض على السلطة حقا في لبنان، فكيف سيطبق مبادئه الاصلاحية والعَلمانية؟ فإما ان يفرضها بالقوة، وهذا هو الاستبداد بعينه. او ان يذهب، بعد ان تستتب الأمور، الى انتخابات نيابية، وعند ذلك ستأتي الطوائف بالطائفيين الى البرلمان. فقد علمتنا التجربة ان المجتمع أقوى من الأفكار، وأن الناس مستعدون لتغيير حتى مبادئ الحساب اذا كان ذلك يخدم مصالحهم، وهذا المجتمع، للأسف الشديد، ما زال ينزلق نحو التدين والخرافة والتعصب والكراهية والغوغائية السياسية منذ أن فشلت طلائع النهضة في مصر والشام في أن تقود المجتمع بعد انهيار الدولة العثمانية في سنة 1917 فصاعدا، ومنذ ان فشل التيار القومي العلماني في أن يكون له الشأن المقرر في مرحلة ما بعد النكبة الفلسطينية في سنة ,1948 ومنذ ان دمر الاستبداد العربي احتمالات النهوض والتقدم والتحرر منذ ان هزم في حزيران 1967 وأناخ بكلكله فوق أجسادنا. وها نحن نحصد اليوم، بعد مئة سنة من الهزائم، ثمار ما زُرع بالأمس. ([)
سامي الخوري، «أمل لا يغيب» (مذكرات)، بيروت: دار نلسن، .2007 |
|
|
نقلا عن السفير عدد(10913) 02/02/2008 |
|
|
إن جميع المقالات التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع |
|