|
كنا نود أن نتوجه اليكم
ونقول "غبطة بطريرك أنطاكية وسائر المشرق" ولكنا آثرنا أن نتعامل مع الحاصل على
الأرض والسبب أننا منذ أمد طويل لم نسمع كلمة واحدة في عظات الآحاد أو في
رسالات الأعياد تتوجهون بها الى كامل رعيتكم المشرقية بدءاً بلبنان مروراً
بكيليكيا والاسكندرون وحتى أنطاكية التي تحملون اسمها وهي أولى الكنائس
المسيحية واليها ندين كموارنة وكمسيحيين مشرقيين.
لقد داخل نفوسنا الشك ، كما الكثير من أبناء الطائفة المارونية بقدرة المؤسسة
البطريركية على الاتيان بأمر ما يكون بمستوى المسائل القائمة حالياً.
خاصة اذا استمر التعاطي في
الأمور السياسية والوطنية، كما هي الحال اليوم، كمثل استقبال رئيس الوزراء
اللبناني المطعون بشرعيته من فريق من اللبنانيين فؤاد السنيوره في الصرح
البطريركي في اليوم الأول لفراغ سدة الرئاسة الأولى في "دولة لبنان الكبير"
واستبقائه على مائدتكم، وكأنه اعتراف بشرعيته ومنحه بركتكم للاستمرار في نهجه
التسلطي الذي أوصل البلاد الى حافة الهاوية ومشارف الاقتتال الطائفي والمذهبي،
والمفترض بالجميع أن يهبوا للدفاع عنها وعن تعدديتها طالما استمر نظام الحكم
نظاماً طوائفياً ، مع العلم أننا كعلمانيين ننحاز كلياً الى دولة المجتمع
المدني، وصلاتنا تتجاوز الروحانيات الى الحياة، وهي خارج المعابد بعيدة عن
الطقوس، ملتزمة بعبادة الروح والحق.
نحن نقر يا صاحب الغبطة ان الكلام عن الوطن والمجتمع والفلسفة والتاريخ من
المهمات الأساس وليس تعرضاً لأمور خارجة عن نطاق الايمان، نحن نفرّق بين
الكنيسة والدولة، لكننا لا نفرّق بين الايمان والحياة، لأن الحياة متعددة
المسالك وأغراضها لا حد لها. نحن نسأل أين هو الكرسي الأنطاكي من هذا كله. وهل
الانحياز داخل الطائفة الواحدة الى فئة دون أخرى يوصلنا الى بناء وطن يكون
لجميع أبنائه؟ اننا كمسيحيين
مشرقيين يهمنا البحث في معنى استمرار المسيحية المشرقية والابتعاد عن الغيبيات
والطوباويات هرباً من الواقع الأليم المعاش في لبنان، هذا الكيان الذي رصفت
طوائفه والصقت ببعضها البعض فأصبح مجموعة طوائف ولم يصبح وطناً أبداً ولن يصبح،
طالما لم يعالج مسائل وملامح الانسان الجديد، وسيبقى ميثاقاً بين "أمم وحضارات
وأديان" معرضاً للافتراق عند أول منعطف مصيري يواجهه كما هو حاصل الآن.
لقد جمع اللبنانيون أو كادوا يجمعون كل المعايب التي لطخت تاريخ هذا الوطن
الكبير، وما الانفصام والتفرق الا ثمرة فاسدة لمكونات "المجتمع اللبناني" لقد
اراد المخلصون لهذا الوطن أن يكون موحداً على قيم تاريخية وجغرافية فلم يقيموا
ارادته، وفرقتهم المذاهب والطوائفية السياسية، فكل طائفة تؤمن بوطن واحد ولكن
كل على حده، وتستأثر كل فرقة به لمصلحتها ولمصلحة اتباعها المحظوظين، فبعد حكم
دام منذ الاستقلال حتى تاريخه، ماذا فعلت المارونية السياسية ومتزعموها على مدى
الفترة الزمنية المذكورة، وما هي مواقفهم الفاصلة من المسائل المصيرية التي
اعترضت الوطن ابتداء بالقضايا القومية والعلاقات مع المحيط الطبيعي، والمسألة
الفلسطينية والصراع العربي الاسرائيلي، أليست هذه هي مسؤولية الكنيسة بالدرجة
الأولى من ناحية الامتداد الطبيعي لانتشار المسيحيين على امتداد انطاكيا وسائر
المشرق؟.
ثمة أمور كثيرة لا تعد ولا تحصى كان يجب على الكنيسة المارونية التي تربعت على
عرش الحكم في لبنان الاهتمام بها، وما الدور الذي مارسته على مدى الحقبة
التاريخية من حكم لبنان إلا وكان دوراً منحازاً الى فئة دون أخرى داخل الكنيسة
الواحدة، ولم تنصف اتباعها فكان هناك أبناء ست وأبناء جارية والشواهد عديدة
وكثيرة والسبب انها أمسكت بزمام الأمور السياسية والدينية ففشلت وكادت تفقد
الاثنتين معاً وها هي اليوم تتنازل عن مقاليد الرئاسة الأولى الى حكومة مدعومة
من الرئيس "المؤمن" جورج بوش الذي يخوض الحرب في كل أقطار العالم زارعاً الدمار
والخراب والموت مطبقاً المقولة اليهودية الصهيونية بقتل كل الأغيار والاستيلاء
على موارد بلادهم مستعيناً بحفنة من أتباع في كل دولة امتدت أصابع مخابراته
اليها.
نعود الى الكنيسة المارونية فنقول انه يجب أن نرفض هذا التمزق المسيحي في
الطائفة الواحدة، وإلا كيف يمكننا ان نبني وطناً تنصهر فيه جميع الطوائف ونحن
نشلّع بعضنا بعضاً في طائفة واحدة فكيف بما يقارب العشرين طائفة تتنازع السلطة
في لبنان؟ وكيف تنام الكنيسة المارونية على هذا الواقع المرير، المنتصب كالشبح
الأسود منبعثاً من بين القبور السياسية، أوليست في هذه الحال شريكة في
المسؤولية عما آل اليه الأمر في هذا الوطن الممزق بين مارونية سياسية وسلفية
سنية تطمح الى حكم البلاد من خلال دغدغة أمريكية ويهودية صهيونية؟
ان ابتعاد الكنيسة عن التعاطي في شؤون البلاد السياسية هو الحل وأعني أنه يجب
أن نفصل بين الدين والدولة وأن نُحْكِم العقل في الحياة الاجتماعية والوطنية لا
أن نغذي الكفر والالحاد، لأن التاريخ شاهد على فشل تعاطي رجال الدين في شؤون
الدولة وأوضح مثل صارخ على ما نقول أن يأتي ديفيد ولش اليهودي الصهيونيي الى
الصرح البطريركي ويسجل كلمته السوداء في سجلها الذهبي بأنه آت لحماية المسيحيين
والوقوف الى جانبهم. وفي هذا السياق يقول المطران جوج خضر "من قرأ الأدب
السياسي الأمريكي قراءة جيدة يعرف جيداً أن الولايات المتحدة لا تؤثِر طائفة
على طائفة أو شريحة على شريحة، إذا أرادت أن تتقارب من أحد تُقارِبُ من عنده
نفط. كل المسيحيين مجموعين لا يساوون عند الولايات المتحدة برميل نفط"!.
"النهار" 29\12\2007
إن حماية المسيحيين من الزوال لا تكون بتقوقعهم على أنفسهم بل بانفتاحهم على
الآخرين دون التنازل عن شخصيتهم وايمانهم لأناس يأتمرون بأوامر أمريكية ويهودية
صهيونية بامتياز. لقد أضعنا هويتنا المارونية المشرقية، بما فرضه علينا
الاستعمار الفكري والإرهاب الروحي والجاهلية التي استحكمت في النفوس منذ عهد
السلطنة العثمانية، وكذا كانت الطوائف الأخرى التي لم يكن لها همٌ إلا استرضاء
السلطان أيا كان هذا السلطان ، حتى أوصلنا هذا السياق أن يعلن أحدهم المساواة
بين جار شقيق وجار عدو، وتبقى الكنيسة صامتة كأبي الهول.
نحن يا غبطة البطريرك لا ندعو الى التزام المحيط الجغرافي والذوبان فيه، لكننا
نرفض الاحجام عنه حتى العداء.. إلا للذي ما زال يعمل منذ استلابه الأرض المقدسة
على تفتيتنا وإقامة دويلات مذهبية تكون مبرراً لوجوده واراحة له في المستقبل
واعترافاً صريحاً بغير حق بأنه أمة وأنه "شعب الله المختار". نحن من أصول
متعددة تجري في عروقنا دماء السومريين والحثيين والآراميين والبابليين من حيث
العنصر، أما من ناحية الحضارة فنحن ورثة ما أنجب هذا الشرق من مدنيات وما بقي
لنا من آثارها ولولانا لامَّحت أمام هول ما تعرضت له من اجتياحات بربرية، لذلك
وجب علينا أن نضع حداً لهذه الفتوحات والغزوات الثقافية الدخيلة على وطننا،
بذلك نستحق أن نعطى مجد لبنان بالفعل، ومجد لبنان أن نحرره من سجون الطوائف
ونعيده الى اصالته ونستعيده من الغربة القاتلة التي ذهبت به مذاهب شتى، نحن
لسنا ارض الحروب والعنصريات والنفط والقيلولة، نحن منبع الوحي ووطن الانسان
وموطن النور وعلى هذا النور أن يشع على الكنيسة الانطاكية بشموليتها، لا ان نضع
هذا النور وهذه المعرفة تحت مكاييل الكذابين الذين يدّعون حمايتنا ويرسلون
قنابلهم القاتلة هدية لأطفالنا، وقد رأينا كيف كان الصهاينة اليهود يعلّمون
أولادهم الكتابة على قنابلهم المدمرة عبارة "هدية الى أطفال لبنان".
بكلامنا هذا قصدنا الاضاءة على بعض الامور بقصد الاصلاح والبناء واقامة وحدة
روحية صادقة لأن البعض ما زال قاعداً على أنقاض الكنيسة الانطاكية، وفوق
أطلالها وكل ما حوله خراب، فالدعوة التي نطلقها اليوم ليست سلبية وليست وهماً
ولا خيالاً الا في النفوس التي ترفضها ولا تود الاستماع اليها، نريد امراً
حقيقياً يرفعنا فوق توافه السياسة، مستوى عظيماً لائقاً بهذا الوطن، وألا نسلمه
أو نبقيه في أيدي من كانوا يقبلون وجنات صانعي سياسة الحرب وقاتلي الأطفال
بدماء باردة ورافعي رايات الدول التي ساهمت في ادارة الأزمة واطالتها في عقر
دورهم وما لبثوا ان انقلبوا عليها عندما تضاربت مصالحهم.
|